الجصاص

95

أحكام القرآن

قوله : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) . وقد كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه في الجاهلية في المناكحات والطلاق والميراث إلى أن نقلوا عنه إلى غيره بالشريعة ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر الناس على ما أدركهم صلى الله عليه وسلم من طلاق أو نكاح أو ميراث ؟ قال : لم يبلغنا إلا ذلك . وروى حماد بن زيد عن ابن عون عن ابن سيرين قال : " توارث المهاجرون والأنصار بنسبهم الذي كان في الجاهلية " . وقال ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال : " ما كان من نكاح أو طلاق في الجاهلية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك إلا الربا ، فما أدرك الاسلام من ربا لم يقبض رد إلى البائع رأس ماله وطرح الربا " . وروى حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير قال : " بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلى أن يؤمروا بشئ أو ينهوا عنه ، وإلا فهم على ما كانوا عليه من أمر جاهليتهم " ، وهو على ما روي عن ابن عباس أنه قال : " الحلال ما أحل الله تعالى والحرام ما حرم الله تعالى ، وما سكت عنه فهو عفو " . فقد كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يحظره العقل على ما كانوا عليه ، وقد كانت العرب متمسكة ببعض شرائع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وقد كانوا أحدثوا أشياء منها ما يحظره العقل نحو الشرك وعبادة الأوثان ودفن البنات وكثير من الأشياء المقبحة في العقول ، وقد كانوا على أشياء من مكارم الأخلاق وكثير من المعاملات التي لا تحضرها العقول ، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم داعيا إلى التوحيد وترك ما تحضره العقول من عبادة الأوثان ودفن البنات والسائبة والوصيلة والحامي وما كانوا يتقربون به إلى أوثانهم ، وتركهم فيما لم يكن العقل يحظره من المعاملات وعقود البياعات والمناكحات والطلاق والمواريث على ما كانوا عليه ، فكان ذلك جائزا منهم ، إذ ليس في العقل حظره ولم تقم حجة السمع عليهم بتحريمه ، فكان أمر مواريثهم على ما كانوا عليه من توريث الذكور المقاتلة منهم دون الصغار ودون الإناث إلى أن أنزل الله تعالى آي المواريث . وكان السبب الذي يتوارثون به شيئين ، أحدهما : الحلف والمعاقدة ، والآخر : التبني ، ثم جاء الاسلام فتركوا برهة من الدهر على ما كانوا عليه ثم نسخ ، فمن الناس من يقول إنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة بنص التنزيل ثم نسخ ، وقال شيبان عن قتادة في قوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] قال : " كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك